القول: مصدر قال، وهو عبارة عن كل ما نطق به اللسان مفيدًا كان أو غير مفيد .
هذا هو أصل معناه، ثم إن العرب توسعت فيه فعبرت به عن معان كثيرة غير النطق باللسان، ومن ذلك:
1- إنهم عبروا به عن الظن بشرط أن يكون مضارعًا للمخاطب، مسبوقًا باستفهام، نحو: أتقول محمدًا قادمًا؟ أي أتظن. وبنو سُليم يجرون متصرف " قال" في غير الاستفهام أيضًا مجرى الظن، فيعدونه إلي مفعولين (1).
2- وعبروا به عن حديث النفس، فقالوا: قلت في نفسي كذا وكذا، أو في نفسي قول لم أظهره، ومن ذلك قوله تعالى :{ ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله } (2) . فجعل ما في اعتقادهم قولاً،ولم يجعله كلامًا (( لأن الكلام لا يكون إلا بحرف وصوت؛ فلذلك لا يجوز تكلمت في نفسي، كما جاز: قلت في نفسي )) (3) .
3- وعبروا به عن المذهب والاعتقاد، فقالوا: فلان يقول بقول أبي حنيفة؛ أي يأخذ برأيه ويعتقده، وهذا قول المعتزلة؛ أي اعتقادهم ورأيهم.
4- وعبروا به عن المحبة والاختصاص، كما في الحديث : (( سبحان الذي تعطَّف بالعِزِّ وقال به )) أي أحبه واختصه لنفسه،كما يُقال :فلان يقول بفلان؛ أي بمحبته وقبوله (4).
5- وعبروا به عن الأفعال، فقالوا: قال بمعنى : أقبل، وقالت النخلة بمعنى: مالت، وقال بمعنى: استراح ، وقال بمعنى: قَتل؛ ومنه قال القوم بفلان؛ أي قتلوه. وقال بيديه على الحائط؛ أي ضرب بهما، ومنه الحديث: (( أنه عليه السلام قال بيده في مقدم الخُفِّ إلى الساق )) (5).
وقال أبو موسى الأصفهاني وابن الأثير: (( العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، نحو: قال برجله؛ أي مشى، وقال بيده؛ أي أخذ )) (6) واستشهدا بحديث: (( فقال بثوبه هكذا )) أي رفعه ، وبالحديث الآخر : (( فقال بماء على يده )) أي قَلَبه.
وقال الزمخشري: ((ومن المجاز قال بيده : أهوى بها، وقال برأسه : أشار )) (7).
6- وعبروا به عن التهيؤ للأفعال والاستعداد لها، فقالوا: قال فأكل، وقال فضرب، وقال فتكلم، ونحو ذلك (8).
7- وعبروا به عما لا يصح منه نطق من الجمادات وغيرها، كقول الراجز:
امتلأ الحوض وقال قطني
وقال الآخر:
فقالت له العينان سمعًا وطاعة
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة :
أشارت بطرف العين خشية أهلها إشارة محــزون ولم تتكلم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم (9)
ولا تزال العامة في مناطق كثيرة من بلادنا تستعمل ( قال ) مجردة عن معنى النطق باللسان، وتستعملها كما استعملها العرب الفصحاء في الدلالة على كثير من الأفعال، فيقولون ـ مثلا ـ : (( قلت به كذا )) أي فعلت به كذا، وقالوا في الأمر :(( قُل به كذا )) أي أفعل به كذا، واستعملوه بمعنى الضرب فقالوا: (( قال به كذا وكذا )) أي ضربه . وسمعت مَن يقول :(( قُلت به حتى قال كان )) أي ضربته حتى قال كفى . وكان هنا فعل تام شائع استعماله في ديار بني ناشر من أهل السَّراة بمعنى كفى أو يكفي . وقال بمعنى حرك، فقالوا عن الشجرة: (( هبت عليها الرياح فقالت بها كذا وكذا )) أي حركتها يمينًا ويسارًا، وقولهم:(( قال بِيْدُه كذا )) أي حركها، أو شمر عنها. وقولهم: (( قال بوجهه كذا )) أي صرفه عني، أو نظر إلي متجهمًا. وعبروا به أيضًا عما لا يصح منه نطق فقالوا: (( قال بطنه كذا )) أي أحدث صوتًا ، (( وقالت السَّما سَمْ بالرحمن )) أي أمطرت مطرًا غزيرًا، ومثل ذلك في كلامهم كثير .
ومن المعاني التي طرأت في كلامهم على لفظ ( تقول ) جعلهم إياه بمنزلة أداة التشبيه ( كأن ) ، فتسمع من يقول مثلا: (( فلان تُقُل ذيب ))، (( وفلانة تُقُل قمر ))، (( وفلان تُقُل أبوه ))، (( ولم يسلم علينا تُقُل ما يعرفنا )) وهم يريدون بذلك: فلان شجاع كأنه الذئب، وكذا الباقي .. ولكنهم لكثرة الاستعمال ولطلب الخفة حذفوا أداة التشبيه كأنّ، وأبقوا ( تُقُل ) دالة على تلك الأداة المحذوفة ، ولا يلتبس على السامع ـ حينئذ ـ معنى ( تُقُل ) في مثل تلك العبارات , فهو لا يفهم منها إلا التشبيه .
________________
( 1 ) الكتاب 1/124 .
( 2 ) سورة المجادلة 8 .
( 3 ) أمالي ابن الشجري 2/50 .
( 4) المجموع المغيث 2/762، والنهاية 4/123 .
( 5 ) المغرب ( قول ) 2/200 . وينظر القاموس ( قول ) 1358.
( 7 ) أساس البلاغة ( قول ) 382 .
( 8 ) القاموس ( قول ) 1358 .
( 9 ) ديوانه 204 .